• الساعة:
    01:22 AM
  • التاريخ:
    Wednesday 25 Jan 2017
  • الطقس:
     
448

خطاب رئيس الجمهورية بمناسبة اعياد استقلال 54

الحمد لله ذى القوة المتين .

والصلاة والسلام على النبي الأمين .

وعلى موكب الهدى من إخوته الأنبياء والمرسلين.

المواطـنون الشـرفـاء :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

تحيةً ملؤها العزّة والكرامة ، ومبعثها التقدير لجموع شعبنا الأبيّ في هذا اليوم الخالد من أيام بلادنا...

اليوم الذى يعتلى مفرق الزمان ، ليشهد على جهاد أبناء هذا الوطن وتضحياتهم في سبيل التحرر والانعتاق...

اليومٍ الذى نخصُّه بالإحتفاء ، ونفرده بالذكرى ، ونعلي قدره بالتدبُّر والاعتبار...

اليومٍ الذى يبقى في كتاب تاريخنا ملحمة جمعت بين السيف والقلم ، وآخت بين الشماليّ والجنوبي ، واصطف فيها الرجال والنساء ، والشيب والشباب ، جنباً إلى جنب ، فتكاملت لها شروط النجاح الأوفر .. وها نحن نعهد هذا اليوم في مسار حاضرنا : حافزاً على الجدّ والاصطبار ، ونحمله في وعد مستقبلنا أملاً بالتوحد ، وبشرى بالانتصار الأبلج .

إنه عيد استقلالنا الذي يحق لنا أن نفاخر فيه بموكب متصل من الشهداء ، لا انقطاع لمسيرة عنفوانه بين أمس واليوم ، فستبقى راية الفداء خفّاقة ، بمشيئة الله ، حتى يكتمل بدر الاستقلال : أمناً ونماءاً وتوحداً... فلم تكن الثورات والانتفاضات المتوالية فى وجه المستعمر الغاصب ، حين انتظمت شرق بلادنا وغربها وشمالها وجنوبها ، إلا تأكيداً لحقيقة وحدة هذا التراب ، بتنوع أهله الثري ، وتعدُّد موارده الموفور .. ولم تكن تلك الثورات والانتفاضات إلا تجسيداً للقدرة على انتزاع حق الحياة الحرة الشريفة ، حين شعّ فى قلوب الثائرين نور اليقين ، واتضح لهم جلال المبتغى ، فنهضت نفوسهم الكبار بأداء الواجب ، كفاءاً لنداء الوطن وحقه على أبنائه فى الذود عن حياضه.

ولسوف تبقى ملحمة استقلالنا بين ملاحم استقلال الأمم ، فريدة فى منطقلها ، ومسارها ، ومختتمها .

فلقد انطلقت - يوم انطلقت – مستندةً إلى إرثٍ تليد فى الجهاد والاستعداد ، شهد الغزاة – فى غير ما مرةٍ – بصلابته ودقَّته ، وكانت تلك إشارة إلي عراقة الدولة والنظم ، على أرضٍ ترعرعت فوق أديمها الحضارات ، ولسوف تبقى – بمشيئة الله– مهاداً لها .

أما على امتداد المسار ، فقد جسّدت ملحمة الاستقلال قدرةً عالية ً فى نفوس الوطنيين ، على المواءمة بين الهدف المنشود – بعظمته ورفعته – وبين الواقع المعاش – بتقلُّباته وتعقيداته – فاتسقت الرؤية لديهم : جهاداً بالدماء ، وجهاداً بالسياسة ، ليأتى ختام فصول هذه الملحمة الفريدة ، حاملاً ملامح المنهجين ، اللذين لا يكتمل عملٌ وطنىٌ دون المزواجة بينهما .. فكان أن ارتفع العلم فوق سارية الأول من يناير عام 1956 ، إشهاراً لنجاح تلك الرؤية المتسقة.

ذاك صوت الماضى .... أيها الأخوة الكرام ... عاصرته أجيال ، وأدركت ظلاله أجيال .. ومن حق الجيل الناشئ من شبابنا أن يسمع منّا هنا كلمةً تربط ماضيه بمستقبله ، فتنير له القادم من أيامه ، وترسخ لديه ضرورة التصالح مع المستقبل دون إغفال لتجارب الآباء ، إنه منهج ( الأصالة والمعاصرة ) ، الذى نريد لشبابنا أن يختطوا به طريقاً إلى العلا ، فمن لا ماضى له ، لا مستقبل له ، ومن يرهن المستقبل اكتفاءً بشرف الماضى ، فهو أجدر أن يضيّع كليهما ، فيصبح كالمنبت : لا أرضاً قطع ، ولا ظهراً أبقى .

المواطنون الشـرفـاء ...

وإننا إذ نحتفل بهذه الذكرى العطرة في ذات الأوان الذى نتهيأ للاحتفال فيه بعيد السلام ، فإن وراء ذلك من المعاني والإشارات ما يجعله عيداً واحداً لا عيدين ، فقد ظل الاستقلال في قلوبنا وأعيننا ، ردحاً من الزمان ، كالحلم المنقوص : يفتقر إلى السلام ويتطلّع إليه .. فيحق لنا أن نباهي اليوم ، ونقول إن ما حققناه على درب السلام الوعر ، هو بكل المقاييس ، إنجازٌ متفرّدٌ ، يقف شاهداً على اليقظة والإدراك ، كما يقف شاهداً على قوة الإرادة ، والتعالي عن الصغائر ، والاعتداد بالوطن الحبيب ، بل يقف ، قبل كل ذلك ، وبعده ، شاهداً على توفيق الله الكبير ، الذى خصّ ذاته العلية بالسلام : اسماً وصفة.

ولهذا كله ، أجدها سانحة موافقة لأؤكد من جديد ، أن سلاماً بهذى المعاني السامقة ، لن نرهنه لكيد كائد ، ولن ندخر في سبيل صونه غالياً ، ولن نلتفت فيه إلى من يحاولون خداعنا كى لا نبلغ بالأمر غايته ، أولئك الذين ظلوا بإفكهم وتربصهم يترقبون نكوصاً منا عن دربه ، فمضوا يزايدون على ما يعترض الاتفاق من تحديات وعقبات ، غافلين عن حقيقة صادعة ، مفادها أن كل عملية سلمية - مهما صغرت - تبقى محفوفة ، في بداياتها ، بالمخاوف والأهوال ، فما عرف التاريخ - قط - طريقاً للسلام مفروشة بالورود والرياحين ، وإنما للسلام أن يعبّد لنفسه بنفسه سبيلاً يبلغ بها مرافئ غاياته ، وما أجلّها من غايات .

ولا نملك إلاّ أن نقول لأولئك المتربصين ، إن تجربة السلام الناهضة في بلادنا -برغم ما يلوح بها من منغصات نعرف منشأها ونتحسب لمآلاتها - هى تجربة - الصدق مع الذات ...

وهى صولة العدالة وإحقاق الحق ...

وهى وقفة الشجعان ، حين لا يبقى إلاّ وقفة الشجعان فيصلاً بين العبور الكريم والتردد الماحق.

لذا نعاهدكم بأن يكتمل عقد السلام - بمشيئة الله - ليكون حقاً سلاماً شاملاً ، فتهنأ به - عن قريب - ربوع دارفور الحبيبة ، وأهلها الصابرون الكرماء ، رعاة نار القرآن وحداة المروءة . فها هى الخطى تمضي حثيثاً صوب المفاوضات المرتقبة الشاملة فى الدوحة ، برعايةٍ مباركةٍ من دولة قطر الشقيقة ، وبدعمٍ متصل من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ، بينما تتكامل جهود دولية مقدرة على ذات المسار ، وصولاً لحلٍّ سلمى نهائي للأزمة فى هذا الجزء الحبيب من أرض بلادنا ، لا سيما أن العالم كله – إلا قليلاً من الآثمين – قد أدرك حقيقة الموقف اليوم ،إذ ولت الحرب إلى غير رجعة ، ولم يتبق سوى تفلتات أمنية بوسع المفاوضات أن تضع حداً لها ... فالسلام فى دارفور – بحول الله – آتٍ لا محالة مصحوباً بتوجُّهٍ تنموي غامر ، يحيى موات الأرض ، ويستنهض طاقات المواطنين ، ويشيع روح التآزر ، ويقطع دابر العصبيات، لتعود دارفور كما عهدها الناس والزمان : منطلقاً لمحمل الخير يعُّم بكرمه البعيد قبل القريب .

المواطـنون الـشرفـاء :

وإنها لمن البشريات أن يبلغ الوعد تمامه ، فتكون أبلغ دلائل النجاح والصدق ، أن يكتمل أمد الفترة الانتقالية بسنواته الخمس ، ليستشرف الوطن الحبيب أغلى أقداره منذ الاستقلال ، عهداً جديداً مؤسساً على الاختيار الحر ، ملتزماً به ، وناهضاً بحقه : تأكيداً وترسيخاً .. فها هى الأيام تمضى صوب إجراء الانتخابات بعد إذ فرغ المواطنون من عملية التسجيل ، ولن يمضى وقت طويل حتى يحين استحقاق الاستفتاء ، فيقول فيه الاختيار الحر كلمته الفصل ، دون إملاء ، وإن الرجاء ليحدونا – متدرعاً بالعزم – أن تكون الوحدة ، هى ثمرة السلام وجائزته الكبرى ، لهذا سوف يكون عامنا هذا – بمشئية الله – عاماً لتعزيز الثقة بأقصى طاقاتها ، ولا يخفى على أحدٍ أننا قد اجتزنا فى الأيام القليلة الماضية ، تحديات جساماً ، خلصنا منها إلى اتفاقاتٍ عادلة بشأن القوانين الممهدة لأجواء الاختيار الحر ، فإن جاءت الوحدة – وفاقاً لذلك – تعبيراً عما نتطلع إليه ، فانما نريدها :

وحدةً تكافئ مابذل فى سبيلها من جهود ..

وحدة شعارها ومبتغاها الطمانينة والنماء لوطننا ..

وحدةً يتساوى فيها المواطنون : حقوقاً وواجباتٍ..

وحدةً رسالتها الخير لنا ولسوانا من بنى الأنسان ، ليستمر عطاء وطننا فى محيطيه الاقليمي والدولي .. عطاءاً لم ننعزل فيه عن التواصل مع التطورات العالمية – حتى فى أحلك ظروفنا – تأثيراً فيها وتأثراً بها .. دون أن تصدَّنا ثارات الماضي ولا مؤامرات الحاضر عن أن نمد يداً بيضاء واثقةً ، تتجاوز الإحن والضغائن فى سبيل إعمار الأرض وخير أبنائها ، ولن نستنكف أبداً عن التجاوب مع كل دعوات الإصلاح فى بنية المجتمع الدولى ، بما يكفل الخروج من نفق الظلمات الذى قاد البشرية اليه فساد الرأى وشح النفوس وحب الانفراد والاستئثار ، بلى ، سنتقدم غير هيّابين ، مع كل من ينشد العدل والأمان والرفاه للعالمين .

نقول هذا ونحن نعلم أن ما بلغناه لم يكن هيّناً ، فقد تداعت علينا ظروفٌ قواسية ، واجهناها بأشرس منها عزماً ومضاءاً ، وإن نظرة سريعة إلى كتاب الإنجاز ما بين العيد الثالث والخمسين للاستقلال ، وهذا العيد الرابع والخمسين ، لتكشف عن سجل وضئ يحق لنا أن لا نبخس عنده جهودنا ، فقد شهد العام ، غضبة هذا الشعب وهو يلقّن المرجفين دروساً في الإباء والوطنية حين حاولوا المساس بسيادته ، فى تأكيد منه لقيم الاستقلال ، كما شهد العام افتتاح مشروع سد مروى العظيم ، بما حمله من إشارات ناطقة بالاكتفاء والاستقلال الاقتصادي ، هذا بجانب افتتاح مصنع طائرات الصافات ، وافتتاح عدد من الجسور الكبرى ، وانطلاق مشروعات النهضة الزراعية ، التى نجدد بها مبدأ لا نمل ترداده ، وهو أن من لا يملك قوته لا يمكنه صون استقلاله ... وإن الوعد ليمضي هذا العام بمزيد مما يسعد أبناء هذا البلد الأشمّ ، وفاءاً لاصطبارهم ، وتصديقاً لآمالهم .. (وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).

صدق الله العظيم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الرسائل البريدية

تابعونا وشاهدونا أولاً بأول لنحظى بتشجيعكم دومًا! تعرّفوا على أحدث الأخبار الخاصة بالموقع والمبادرات الحكومية من خلال نشراتنا البريدية.

عنالسودان

نشيدالعلم